خليل الصفدي
397
أعيان العصر وأعوان النصر
والربع التي إلى الحديقة ، ولما جهزه إلى صفد في سنة ثمان وثلاثين ، وسبعمائة استعفى ، وتضرّع وطلب الإقالة ، فدخل قوصون إلى المرقد ، وخرج مرتين ، وفي الثالثة قال له : بس الأرض ، ولا تتكلم كلمة واحدة ، فباس الأرض ، وتوجّه إلى بيته ، وجهز إليه السلطان خيولا بسروجها وأنعاما ، وفي يوم الخميس أجلسه بين يديه بعد الخدمة ، وقال له : ما أجهزك إلى الشام إلا لتقضي لي فيه شغلا ، وأكبّ على رأسه يقبله وودّعه . قلت : وكان ذلك الشغل المشئوم إمساك تنكز ، وجهز معه طاجار الدوادار ، وقال : بعد ما توصله إلى صفد توجه إلى دمشق ، وقل للأمير نائب الشام : هذا خوشداشك الكبير ، وقد صار جارك فراعه ، ولا تعامله معاملة من تقدّم . ومرض في صفد مرضة عظيمة ، أشرف فيها على التلف ، وعمّر له قبرا في مغارة يعقوب بصفد ، وفرغ منه ، ثم إنه عوفي بعد ذلك . ثم إن السلطان جهز إليه للقبض على تنكز مع بهادر حلاوة الأوشاقي ، فتوهّم وظن أن ذلك مكيدة لإمساكه نفسه ، وقام من صفد المؤذن قبل انفجار الصبح ، وساق منها في جماعته حتى وصل إلى المزة « 1 » قبل الظهر ، وهذا سوق عظيم لا يفعله غيره ؛ لأن دمشق عن صفد مسافة يومين وأكثر ، ثم إن الطريق محجر ووعر ، لا يتمكن الفارس أن يسوق فيه ، ولما أمسكه - على ما تقدّم في ترجمة تنكز - وجهزه إلى باب السلطان مقيدا ، دخل إلى دمشق ، ونزل في النجيبية ، وحدّثته نفسه بنيابة الشام ، فورد إليه المرسوم بالتوجه إلى باب السلطان ، فسار إليه من صفد على البريد ، ولما وصل إليه شكره ، وأمر له بنيابة حلب ، فورد إليها ، وأقام بها نائبا إلى أن خلع الملك المنصور أبو بكر ، وولي الملك الأشرف « 2 » كجك ، وطلب الناصر أحمد إلى القاهرة فامتنع ، وجهّز الفخري لمحاصرة الكرك ، فلما بلغ ذلك طشتمر قام وقعد ، وقلق لذلك قلقا زائدا ، واضطرب اضطرابا عظيما ، وقال : هذا أمر
--> ( 1 ) المزة : هي قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق ، بينها وبين دمشق نصف فرنح وبها فيما يقال قبر دحية الكلبي صاحب - رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - . ( انظر : مجمع البلدان : 5 / 122 ) . ( 2 ) الأشرف كجك هو : ابن محمد بن قلاوون علاء الدين الملك الأشرف ابن الملك الناصر من سلاطين الدولة القلاوونية بمصر والشام نصبه الأتابكي قوصون بعد أن قتل أخاه المنصور أبا بكر سنة 742 ه ، وكان الأشرف طفلا فأجلسه قوصون على السرير بمصر وتصرف هو في أمور الدولة فاضطربت أحوالها وثار الأمير أن غش . قطفر بقوصون وسجنه ، وخلع الأشرف واعتقله في دور الجرم ، فلبث بضع سنين ومات سنة 476 ه ، ومدة سلطنته خمسة أشهر وأيام . ( انظر : ابن اياس : 1 : 177 ، والدرر الكامنة : 3 : 265 ، والبداية والنهاية : 14 : 192 و 194 ، والنجوم الزاهرة : 10 : 21 ، 122 ) .